رجــال من الشــرق

 

 

 

كمـال جنبـلاط

ولد كمال جنبلاط في المختارة التابعة لمنطقة الشوف في لبنان في 6 كانون الأول/1917 من عائلة ورثت الإمارة والشهرة والثروة. والده فؤاد جنبلاط شغل مناصب عالية، فكان قائم مقام جبل لبنان أيام الانتداب الفرنسي إلى جانب تبوئه مراكز أخرى في الحكم، اغتيل على يد أحد قطاعي الطرق. أما والدته فهي نظيرة جنبلاط، اختارها الجنبلاطيون زعيمة تتكلم باسمهم بعد موت زوجها فؤاد وكانت تقيم في قصر المختارة، وقد استطاعت أن توفق بين دورها كأم عليها أن تحتضن كمال وليندا الذين فقدا الأب وبين دورها السياسي الذي خولها أن تكون الحاكم الذي ملأ الفراغ الذي تركه زوجها فؤاد جنبلاط وبهذا استطاعت أن تؤثر في الدروز وأن تحظى برضى الأكثرية مستمدة قوتها من علاقتها المتينة بالفرنسيين.

بعد أن أنهى كمال دراسته على يد مربيته الخاصة، التحق بمدرسة عينطورة الثانوية للآباء العازاريين في كسروان عام 1936 حتى نال شهادتها عام 1937، وكانت رغبته التخصص في الهندسة غير أن والدته التي كانت تعده للعمل السياسي أرادت له أن يدرس المحاماة.

توجه كمال جنبلاط عام 1938 إلى باريس حيث التحق بجامعة السوربون وباشر دراسة الحقوق، ثم انضم في الوقت نفسه إلى معاهد الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، ونال شهادتها في كل تلك المواد، غير أنه بسبب انفجار الحرب العالمية الثانية عاد إلى بيروت وتابع دراسة الحقوق في الجامعة اليسوعية، وفي هذا الوقت شكل جمعية تعاونية (استهلاكية) لإنقاذ الناس من خطر العوز والجوع اللذين خلفتهما الحرب العالمية الثانية.

في العام 1943 جرت مبايعته بالزعامة بعد موت ابن عمه ونسيبه حكمت جنبلاط وذلك فور انتهاء مراسم الدفن مباشرة وكان عمره مايزال 25 عاماً. وفي العام نفسه فاز في الانتخابات النيابية ودخل المعترك السياسي، وأعلن جهارة صراعه العنيف ضد قوى الانتداب الفرنسي ووقوفه إلى جانب حكومة الاستقلال، وربطه المتين بين استقلال لبنان وبين عروبتها.

وبهذا خط كمال جنبلاط خطاً جديداً لسياسة جديدة تناقضت خطوطها تناقضاً تاماً مع سياسة أمه، إذ أبى السير على خطواتها التي تميل نحو البرجوازية وتدعم بالتالي الطبقات والعائلات الأرستقراطية، وتظل خاضعة وتابعة لوصايا الفرنسيين... لذا نراها اختلفت مع ولدها، فانتقلت من قصرها في المختارة إلى قصر ابنتها وصهرها حكمت جنبلاط وبقيت فيه حتى آخر أيامها.

وبعد الاستقلال تابع كمال جنبلاط عمله السياسي مشدداً على وجوب المحافظة على الاستقلال، ثم دخل في عدة وزارات مشاركاً في الحكم. وبدأ في العام 1947 مرحلة المعارضة السياسية بعد أن اكتشف عمق الفساد والرشوة والفوضى التي تتخبط بها البلاد.

في الأول من أيار عام 1948، اقترن كمال جنبلاط بالآنسة مي، ابنة الأمير شكيب أرسلان وهي ذات ثقافة عالية، ورزق منها وحيده وليد في 7/8/1949، وهو اليوم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ووريث الأسرة، غير أن السيدة مي رفضت، لأسباب شخصية، أن تعيش مع كمال جنبلاط وتكمل معه درب الحياة.

في 17 آذار/1949، أسس كمال الحزب التقدمي الاشتراكي رسمياً، وفي الأول من أيار/1949 أعلن ميثاقه هو ورفاقه: ألبير أديب، وفريد جبران، والشيخ عبد الله العلايلي، وفؤاد رزق، وجورج حنا. وقد أُعلن بهذا الصدد أن غاية الحزب هي السعي لبناء مجتمع على أساس الديمقراطية الصحيحة تسود فيه الطمأنينة الاجتماعية والعدل والرخاء والحرية والسلم، ويؤمن حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة ومن جملتها لبنان. كما أعلن، مردداً مقولات الاشتراكيين، أن (العمال الذين ليس على جسدهم قميص هم الذين سيحررون العالم).

في عام 1951 أسس الجبهة الاشتراكية الوطنية لمحاربة الفساد الداخلي في لبنان، ثم دعا باسم الحزب التقدمي الاشتراكي إلى مؤتمر الأحزاب الاشتراكية العربية الذي عُقد في بيروت في أيار/1951، كما مثل لبنان في مؤتمر حرية الثقافة الذي انعقد في سويسرا في حزيران/1952.

استمر كمال جنبلاط في مواقفه الوطنية والقومية والإنسانية من منطلق مبدئي ثابت. حيث عقد في آب 1952 مؤتمراً وطنياً في دير القمر باسم الجبهة الاشتراكية الوطنية، مطالباً رئيس الجمهورية بشارة الخوري بالاستقالة. وفي أيلول من العام نفسه استقال الخوري، وجرى انتخاب كميل شمعون عضو الجبهة رئيساً للجمهورية، لكنه اختلف معه في العام التالي لعدم التزامه بمقررات المؤتمر الوطني (دير القمر 1952) ولا ببرنامج الجبهة. بعد ذلك أسس الجبهة الاشتراكية الشعبية المعارضة لعهد كميل شمعون في أيلول/1953، وشارك في مؤتمر الأحزاب العربية المعارضة الذي عُقد في بيروت في أيلول/1954، وساند كفاح مصر ضد العدوان الثلاثي عليها سنة 1956، وأسهم بالعمل المباشر في إعادة إعمار ما تهدم في زلزال 1956 في لبنان. ثم قاد، مستنداً إلى عبد الناصر، الانتفاضة الوطنية العارمة عامي 1957ـ 1958 سياسياً وعسكرياً ضد عهد كميل شمعون الذي حاول ربط لبنان بالأحلاف الأجنبية الاستعمارية. وعلى أساس ذلك أيد انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في أيلول/1958، وزاول مهامه في الحكم معاوناً له ومن بعده شارل الحلو ثم الرئيس فرنجية حتى عام 1973.

أسس كمال جنبلاط جبهة النضال الوطني عام 1960، ووضع نواة جبهة الأحزاب والقوى التقدمية والشخصيات الوطنية عام 1965، ثم مثل لبنان في مؤتمر التضامن الآسيوي الإفريقي، وترأس وفداً برلمانياً وشعبياً إلى الصين الشعبية عام 1966، فضلاً عم موقفه الصلب في نصرة الجزائر.

وعندما شن الكيان الصهيوني عدوانه على الدول العربية في حزيران/1967، وقف كمال جنبلاط إلى جانب مصر وسوريا والأردن في مواجهة العدوان، وأيد القضية الوطنية العادلة للشعب العربي الفلسطيني وساند نضاله. ثم ترأس اللجنة العربية لتخليد جمال عبد الناصر عام 1973، كما انتخب بالإجماع أميناً عاماً للجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية في العام نفسه.

وعندما كانت أحداث 1975ـ 1976 في لبنان تصدى كمال جنبلاط للمؤامرة الصهيونية الانعزالية، وقاد نضال الحركة الوطنية اللبنانية معلناً برنامج الإصلاح المرحلي للنظام السياسي في آب/1975، وتأسيس المجلس السياسي المركزي للأحزاب الوطنية والتقدمية.

عُرف كمال جنبلاط بأنه متحدث قوي في الندوات الصحافية التلفازية، إذ يطل على الناس وفي جعبته آلاف وآلاف القضايا، كما أنه أنشأ جريدة الأنباء السياسية بعد أن أنشأ الحزب التقدمي الاشتراكي، وكثيراً ما كان يشترك في الحفلات التي تقيمها السفارات الأجنبية، ويحاضر في ندوات سياسية واجتماعية وحتى ثقافية، وقد تقلد وسام لينين للسلام.

من أجل قضيته جاب كمال جنبلاط العالم شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، من الاتحاد السوفييتي إلى الصين إلى مصر إلى الدولة الأفريقية إلى ألمانيا وغيرها، وفي الهند كان الرحالة الشهير الذي وقف أمام كل عظيم متفحصاً ومستقياً للمعلومات خاصة الدينية في ما يتعلق بالتصوف والتنسك والعبادة. وقد عاد بكثير من العقائد والطقوس المشرقية التي كان لا يخفي ممارسته لها.

يعتبر كمال جنبلاط نصير فلسطين وشعب فلسطين، يتحدث باسم الشعب الفلسطيني في العديد من المؤتمرات الشعبية، يكرّم سجناء الثورة في المهرجانات، ويتفقد المخيمات بين الحين والحين يحمل القضية الفلسطينية ويتكلم عنها في شتى المجالات، وليس سراً القول أن العروض انهالت عليه مقترحة عليه أن يقايض دعمه للثورة الفلسطينية بما يشاء من وزن سياسي، لكنه كان يرفضها كلها، صامداً عند الموقف السياسي الصلب القائل بأن أي توازن سياسي لبناني لا يؤدي إلى دعم كفاح الشعب الفلسطيني هو توازن لا طمع في الحصول عليه. كما أن أية حماية لهذا الكفاح لا يمكن أن تتم عملياً بغير تحقيق توازن سياسي تحتل فيه الحركة الوطنية اللبنانية وزناً راجحاً.

اغتيل كمال جنبلاط في 16 آذار من عام 1977، على مدخل بلدة دير دوريت في الشوف مع مرافقيه حافظ الغصيني وفوزي شديد، ولم يكن اغتياله لغزاً فقد كان هذا الاغتيال مكافأة أخيرة له على الموقف الصلب الذي لم يتراجع عنه تأييداً للقضية الفلسطينية وثورتها ودفاعاً عن وحدة لبنان وعروبته.

آمن كمال جنبلاط بالعلم سبيلاً إلى المعرفة، وبالفضيلة قرينة للعلم، فعمل لإنقاذ الآخرين وخاصة النشء الصاعد، فسكب في سراج العرفان الزيت ليشع نوره ويتعالى، فقد أنشأ مدرسة أسماها العرفان في الشوف إيماناً منه بالعلم والمعرفة. كان كمال جنبلاط أديباً وشاعراً وفيلسوفاً. له عدة مؤلفات مطبوعة:-

ـ ثورة في عالم الإنسان.

ـ حقيقة الثورة اللبنانية.

ـ في مجرى السياسة اللبنانية.

ـ أدب الحياة.

ـ الديمقراطية الحديثة.

ـ فيما يتعدى الحرف.

ـ البوذية.

ـ كتاب صحي (العلاج بعشب القمح).

ـ افتتاحيات في جريدته (الأنباء).

ـ ديوان شعري (فرح).

 

 

 
         
 

 

سلطان باشا الأطرش

ولد سلطان باشا الأطرش في عام 1889، في قرية (القرياّ) قضاء صلخد في جبل العرب، والده ذوقان بن مصطفى بن إسماعيل الثاني مؤسس المشيخة الطرشانية (1869)، قاد معركة ضارية في نواحي الكفر عام 1910، وهي إحدى معارك أبناء الجبل ضد سامي باشا الفاروقي، والتي كانت تشنها السلطنة العثمانية على جبل الدروز لكسر شوكته وإخضاعه  لسيطرتها، أعدمه الأتراك شنقاً بسبب تمرده عام 1911. أماّ والدة سلطان  فهي شيخة بنت إسماعيل الثاني.

أدى سلطان الأطرش الخدمة العسكرية في بلاد الرومللي، ومنذ عودته تابع الاتصال بالحركات العربية بفضل علاقته الدائمة بدمشق، فصارت (القرياّ) ملجأ ومعقلاً للفارين من الأتراك وللمناضلين الملتحقين بالثورة العربية في العقبة... وكان سلطان الأطرش أول من رفع علم (الثورة العربية) على أرض سورية قبل دخول جيش فيصل، حيث رفعه على داره في القرياّ، وكان في طليعة الثوار الذين دخلوا دمشق سنة 1918، بعد أن رفع العلم العربي في ساحة المرجة فوق مبنى البلدية بدمشق، منحه الملك (فيصل الأول) لشجاعته لقب (أمير) عام 1916، كما منحه أيضاً رتبة فريق في الجيش العربي، وهو يوازي لقب باشا.

في تموز 1920، جهز سلطان الأطرش قوات كبيرة لملاقاة الفرنسيين في ميسلون، لكنه وصل متأخراً بعد انكسار الجيش العربي واستشهاد القائد يوسف العظمة وزير الدفاع.

في 7 تموز 1922، كانت ثورته الأولى على الفرنسيين لاعتدائهم على التقاليد العربية في حماية الدخيل، حين اعتقلوا (أدهم خنجر) الذي كان في حماية الأطرش بينما كان غائباً عن داره، وكان خنجر قد لجأ إليه وطلب حمايته بعد عملية اشترك بها واستهدفت اغتيال الجنرال غورو.

بالغ الفرنسيون في طغيانهم وظلمهم لأهالي سورية الذين لم يعد أمامهم سوى الثورة. وهكذا انطلقت (الثورة السورية الكبرى) وامتدت إلى كل الديار السورية، ودامت حتى عام 1927، وقد تولى سلطان باشا الأطرش قيادتها بالإجماع، وتعد من أهم الثورات ضد الاحتلال الفرنسي باعتبارها شملت عدة مناطق في سورية، ووصلت إلى قسم من لبنان، وامتازت بمعارك حربية بين الثوار وقوات الاحتلال الفرنسية التي منيت بخسائر فادحة في الأرواح والمعدات. وكان من أبرز هذه المعارك: معركة (الكَفر) في تموز عام 1925، ومعركة (المزرعة) في أول آب 1925، ومعارك الإقليم الكبرى، ومعركة صلخد، والمسيفرة، والسويداء وغيرها.

  وبتاريخ 23 آب 1925 أعلن السلطان الأطرش الثورة رسمياً ضد الفرنسيين، فانضمت دمشق وحمص وحماه ونواحيها إلى الثورة، وأبلى الثوار بلاءً حسناً في إنزال الهزائم بجيوش المستعمرين الفرنسيين... حتى إن فرنسا اضطرت بفعل هذه الهزائم إلى عزل مفوضيها الساميين وضباطها العسكريين في سورية وتعيين البدائل عنهم، كما حصل مثلاً مع المفـوض السامـي (سرايل) بعـد مهاجمة الثـوار لقصر العظـم بدمشق، فعينت المسيو (دي جوفنيل) وقصفت دمشق بالطيران لمدة 24ساعة متواصلة كما أرسلت فرنسا أحد أبرز قياديها الجنرال (غاملان) بعد تزايد قوة الثوار وانتصاراتهم.

وعندما هزت هذه الانتصارات فرنسا الاستعمارية، وجدت نفسها أمام مأزق كبير فلجأت إلى إرسال آلاف الجنود إلى سورية ولبنان مزودين بأحدث الأسلحة، مقابل قلة مصادر تموين الثوار، مما أدى إلى قلب الميزان لصالح الفرنسيين، فأعادوا سيطرتهم على كثير من المدن بعد أن استمرت المقاومة الباسلة حتى ربيع عام 1927، وكان الفرنسيون قد حكموا على سلطان الأطرش بالإعدام.

أجبرت الثورة الفرنسيين على إعادة توحيد سورية بعد أن قسمتها إلى أربع دويلات: دمشق، وحلب، وجبل العلويين، وجبل الدروز... كما اضطرت إلى الموافقة على إجراء انتخابات فازت فيها المعارضة الوطنية بقيادة إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي.

بعد توقف الثورة نزح سلطان الأطرش بجماعات من الثوار إلى الأزرق في الأردن، وبعد توقيع معاهدة 1936 بين سورية وفرنسا عاد الأطرش إلى سوريا بعد إعلان العفو العام عن الثوار من قبل الانتداب الفرنسي.

لم يتوقف نضال سلطان الأطرش عند هذا الحد، بل شارك أيضاً بفعالية في الانتفاضة السورية عام 1945، والتي أدت إلى استقلال البلاد، كما دعا في العام 1948 إلى تأسيس جيش عربي موحد لتحرير فلسطين، وبالفعل تطوع المئات من الشباب واتجهوا للمشاركة الفعلية في حرب 1948.

وأثناء حكم الشيشكلي، تعرض سلطان لمضايقات كثيرة نتيجة اعتراضه على سياسة الحكم، فغادر الجبل إلى الأردن في كانون ثاني 1954، عندما عمّ الهياج أنحاء سورية لاسيما بين الطلبة الذين كانوا في حالة إضراب مستمر، واعتقل العديدون بينهم منصور الأطرش أحد أبناء سلطان الأطرش، فجرت محاولة درزية لإخراجه من السجن أدت إلى اشتباك مسلح، سرعان ما تحولت إلى معركة في جبل الدروز، وعاد الأطرش إلى بلده بعد سقوط الشيشكلي.

أيد سلطان الأطرش الانتفاضة الوطنية التي قادها الزعيم الدرزي كمال جنبلاط في لبنان عام 1958، ضد سياسة كميل شمعون، كما بارك الوحدة العربية التي قامت بين مصر وسورية عام 1958، ووقف بحزم وثبات ضد عملية الانفصال عام 1961.

وكان جمال عبد الناصر قد كرم سلطان باشا الأطرش في عهد الوحدة فقلده أعلى وسام في الجمهورية العربية المتحدة، أثناء زيارته لمحافظة السويداء.

عام 1966 بعث الأطرش خطاب احتجاج مفتوح إلى هيئة الأركان، عندما كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع بسبب حملة التطهير الجماعية للضباط الدروز من الجيش عقب فشل انقلاب الرائد الدرزي سليم حاطوم على نظام صلاح جديد.

وفي عام 1970، كرم الرئيس السوري حافظ الأسد الأمير سلطان باشا الأطرش لدوره التاريخي في الثورة السورية.

توفي سلطان باشا الأطرش عام 1982، وحضر جنازته حوالي مليون شخص، وأصدر رئيس الجمهورية رسالة حداد شخصية تنعى القائد العام للثورة السورية الكبرى.

 

 
         
 

أحمد مريود

هو أحمد بن موسى بن حيدر مريود، ولد ونشأ في قرية جباتا الخشب، من قرى القنيطرة في هضبة الجولان في سوريا سنة 1886م، وينتمي إلى قبيلة المهيدات التي كانت تقبض على إمارة وزعامة البلقاء في الأردن، وتعود الجذور التاريخية لقبيلة المهيدات إلى قبيلة بني سلام من نسل العدنانية.

عاش أحمد مريود في كنف والديه مع خمسة من إخوانه الذكور وسبع من أخواته الإناث، بالإضافة إلى خاليه أحمد ومحمد الخطيب وهما من قرية شبعا التابعة لمنطقة العرقوب في لبنان، وذلك بعد وفاة والدهما الشيخ على الخطيب زعيم قرية شبعا.كان موسى مريود كثير الحرص على تعليم أفراد أسرته من الذكور والإناث.. فاستدعى إلى بيته أساتذة لتعليمهم أصول الكتابة والقراءة وحفظ القرآن الكريم، بالإضافة إلى عنايته الخاصة حيث غرس في ذاكرة أبنائه حب العلم والتعلم وذكرهم بأن الدين ليس عبادة فحسب بل هو معاملة وأخلاق، وعلمهم روح العصامية والاعتماد على الذات.

أحب أحمد مريود الدراسة فتلقى الدراسة الابتدائية في مدارس القنيطرة، ثم أتم مرحلة التعليم الإعدادي في دمشق، ثم أتم دراسته الثانوية في مكتب عنبر في دمشق وتخرج منها.

أولع مريود بقراءة التاريخ، وكان شديد الشغف بمطالعة تاريخ العرب في عصورهم الزاهرة، تراود نفسه الآمال في استعادة أمجادهم الضائعة. وقد أكد هذه الميزة صديقه الشيخ تركي العبيدات بقوله: (أحمد مريود تحدث في التاريخ العربي وكأنه الطبري أو المقريزي).

أسس مريود جريدة (الجولان) الأسبوعية التي تصدر من القنيطرة، فكانت صوت الحق العربي، يرأس تحريرها ويشرف على موادها، ويكتب زواياها التاريخية والسياسية. إلا أنها توقفت بسبب ظروف صاحبها، وكثرة ترحاله عن أرض الوطن وظروفه العائلية بعد وفاة والده بحيث أصبح سيد ورب الأسرة من بعده.

دخل أحمد مريود في جمعية (العربية الفتاة)، وكان أثناء دراسته في دمشق قد اتصل بعدد من الشبان العرب النابهين، ونسّبهم فيما بعد في التنظيم السري التابع لجمعية العربية الفتاة، كما دأب مريود خلال الحرب العالمية الأولى على تجهيز الفارين من مظالم الاتحاديين الأتراك للحاق بثورة الشريف حسين بن علي في الحجاز واصطحابهم بمن يرشدهم إلى بلوغ البادية.

لما منعت الحكومة العثمانية تصدير الحبوب (الحنطة وأشباهها) من ولاية سورية إلى لبنان، مما أدى إلى انتشار الجوع هناك، كان أحمد مريود يحمل ما استطاع من القمح على خيله ويمضي به خلسة إلى القرى اللبنانية القريبة منه، فيبيعه بسعر الكلفة، وبهذا أنقد عائلات كثيرة كانت معرضة للموت جوعاً.

قُبض على مريود وأودع سجن عالية في لبنان بسبب مساعدته على الفرار للكثير من الرجال الذين كانت مشانق جمال باشا تنتظرهم، وبقي مسجوناً إلى حين انتهاء الحرب العالمية الأولى بقليل.

بعد دخول الجيش العربي إلى دمشق وانتهاء الحكم العثماني، كان أحمد مريود شخصية وطنية قيادية في العهد الفيصلي، وعضواً بارزاً في المؤتمر السوري الذي أعلن استقلال سورية الطبيعية. وعندما ترامت أنباء تقسيم الأراضي العربية بين الحلفاء، ترك أحمد مريود دمشق وقرر أن يهب الجولان بقيادته إلى المقاومة، فقد كان يتمتع بنفوذ كبير لتنظيم وسائل الدفاع في تلك المنطقة مع رفاق له مخلصين وأوفياء، فأعلن الثورة في تشرين أول سنة 1919 ضد المحتل الفرنسي.

تحققت أهداف ثورة 1919 برد الغزو الفرنسي لسوريا عن طريق بوابة مرجعيون، وتحققت أيضاً بوجود المجاهدين الأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين من جبل عامل وخوضهم معارك هذه الحرب ببسالة، واكتسابهم كل الخبرات استعداداً لملاقاة الاستعمار الغربي بشقيه الفرنسي والبريطاني في المقبل من التحديات، وتحققت أهداف هذه الثورة بقيادة المجاهد أحمد مريود عندما تعمد السلاح العربي بوحدة ثوابت الأمة في الوحدة والتحرير، وبوجود المجاهدين من كل أطراف سوريا الداخلية والجنوب حتى ما وراء صور وفلسطين والأردن، كما تحققت أهداف هذه الثورة باستمرارية الحماس الثوري واللياقة العسكرية والجاهزية القتالية التي أثبتت مصداقيتها النضالية والقتالية عندما انتقل زعيم الثورة بحشودها إلى الأردن.

لما وصل الإنذار الفرنسي باحتلال سورية للملك فيصل الذي توج ملكا على سورية في 8/3/1920م، هبت على البلاد عاصفة شديدة من الحماسة، وأقبل الناس على التطوع، فغصت بهم الثكنات العسكرية في كل مكان، وشهدت منطقة القنيطرة وقرى جبل الشيخ أروع معاني التلاحم النضالي، فلبى أهلها نداء الزعيم أحمد مريود، وأصبحت جباتا الخشب قبلة يتوجه إليها الثوار، فنظم مريود صفوفهم استعداداً لمواجهة الفرنسيين المحتلين.

رفض أحمد مريود الإنذار باسم الشعب السوري فقد كان عضواً في المؤتمر السوري، وانسحب المجاهد أحمد مريود ورجاله إلى الأردن واتخذ من بلدة كفرسوم قاعدة مركزية لكفاحه وجهاده، ومنها وبدعم من أهلها بدأت مرحلة جديدة من النضال والكفاح المسلح ضد المحتل الفرنسي، فخاض المجاهدون مئات المعارك والمواقع البطولية كان أشدها المشاركة في معركة ميسلون على أثر دخول الفرنسيين البلاد ولما دخل الفرنسيون سوريا كان اسم أحمد مريود من بين المحكوم عليهم بالإعدام.

كان المجاهد أحمد مريود عضواً بارزاً في حزب الاستقلال المنبثق عن الجمعيات الوطنية، والذي تأسس عام 1919، وكان يرى أن الوضع الخاص في شرقي الأردن سيكون عظيم الفائدة لأحرار سوريا، وذلك برسم استراتيجية سياسية قومية بإعادة تنظيم حزب الاستقلال، وخطة عسكرية لشن حرب استنزاف على القوات الفرنسية في سوريا انطلاقاً من الأردن، وكانت هذه القوات تتخوف من ظاهرة النشاط السري التي يديرها ويخطط لها أحمد مريود بهدف إحكام الضغط على المحتل.

وفي ظل المناخ السياسي الشعبي المتحمس في الأردن، قرر مريود اغتيال الجنرال غورو، وبالفعل هوجم موكب غورو المتوجه إلى بلدة القنيطرة، مما زاد من حقد الفرنسيين على مريود لتأكدهم من تدبيره حادثة الاغتيال. وقد أعطت السلطة الفرنسية هذه الحادثة أهميتها الحقيقية.

وبعد محاولة اغتيال الجنرال الفرنسي غورو، ازدادت شكاوي الفرنسيين والإنجليز معاً ضد حزب الاستقلال، وبخاصة ضد أحمد مريود. مما اضطره إلى مغادرة الأردن إلى الحجاز.

وفي الحجاز، استقبله ورفاقه الشريف حسين بن علي ودعاهم ليحلوا في ضيافته، ولم يمض على وجودهم ثلاثة أسابيع إلى وقوع الهجوم السعودي على الطائف في عام 1924، فأسرع الكثيرون يبارحون مكة إلى جدة، وظل أحمد مريود في مكة مع الشريف حسين حتى قرر الشريف ح