مـدن عربيّـة

 
 

دمشـق

بغـداد

بيـروت

القـاهـرة

القـدس

         
 
 

  دمشـق

توأم التـاريخ

دمشق

وهي أقدم عاصمة مأهولة في العالم ، وقد كانت احتلت وكانت مرموقة في مجال العلم والثقافة والسياسة والفنون خلال الألف الثالث ق . م , وأصبحت عاصمة الدولة العربية في العام ( 661 ) م أيام الأمويين , وفي نهاية الألف الثاني ق . م أسس الزعيم الآرامي ( ريزون ) مملكته في دمشق .

 

موقع دمشق وحدودها :

تقع دمشق شرقي خط غرينتش , حيث يلتقي خط الطول 40 شرقا مع خط العرض 37 شمالا وترتفع عن سطح البحر 690 مترا . يحدها من الشمال جبال القلمون وسلسلة جبال لبنان الشر قية  ومن الجنوب سهول حوران . ومن الشرق صحراء مترامية الأطراف تتصل بصحراء الأردن والسعودية ومن الغرب جبل الشيخ وسلسلة جبال لبنان الشرقية .

ودمشق القديمة تتموضع على رقعة بيضوية الشكل قطرها الطويل , الشارع المستقيم أو شارع مدحت باشا اليوم وطوله 1600 م وقطرها الصغير 1000 م ويمتد من باب الفراديس إلى الباب الصغير – كلا القطرين يشكلان , حسب تخطيط المدن الإغريقي والروماني , المحورين الرئيسيين اللذين ينتهيان بساحة عند تقاطعها , وتسمى الفوروم عند الرومان والأغوار عند الإغريق وبهذا تكون دمشق الآرامية والأحياء اليونانية الجديدة ودمشق الرومانية داخل السور الذي تهدم قسم كبير منه , ولم يبقى سوى القسم الممتد من باب السلام وحتى باب شرقي .

عندما تذكر دمشق تتراءى لنا طفولة الإنسان و تفوح رائحة الحضارات. فدمشق أقدم مدينة في التاريخ, فيها خرج الإنسان من كهفه وأسس القرى المبنية واستقر فيها وأنتج القوت وبهذه الأرض صنع الإنسان أدوات إنتاجه و طورها.

وعلى صخورها شكل أولى انطباعاته الفنية عما يحيط به من أشياء ويواجهه من ظواهر.

تلك دمشق بين الألف الثامن والألف السادس قبل الميلاد, قرية في بقعة غنية جدا من العالم انتقلت من صيد الحيوانات و التقاط الحبوب والثمار إلى إنتاج الخيرات المادية من خلال الزراعة والتدجين  وسارت دمشق تغير وتتغير, فانطلق التاريخ من قيوده الطبيعية ليسجل ملحمة العصور على صخور دمشق وبيوتها ومعابدها وأسوارها وأبوابها وحماماتها وأسواقها .  فالآثار والرقم والكتابات التي ظهرت في مصر والأردن وبابل واوغاريت تتحدث جميعها عن دمشق كمدينة

مزدهرة اجتماعيا وتجاريا وذات وزن عسكري كبير.

  وقبل حلول الألف الثاني قبل الميلاد كانت الهجرات العربية من الجزيرة قد استوطنت بلاد الشام, ووسعت المراكز الموجودة, وأقامت مراكز جديدة. فأصبحت دمشق موطنا للشعب الآرامي الذي شكل دولته فيها والتي أصبحت أعظم وأقوى الدول الآرامية في بلاد الشام. حيث أطلقوا على هذه المدينة اسم "دراميسيف" وتعني الدار المروية أو الزهرة المثمرة . وحور اليونان والرومان الاسم إلى داماسكوس بينما حافظ العرب على اسم دمشق حتى اليوم.

كانت مملكة دمشق الآرامية قائدة لتحالف ضم الدويلات الآرامية في بلاد الشام لمواجهة الأطماع الآشورية وبقيت على هذه الحال إلى إن وقعت  بأيدي الملك الآشوري تفلات الثالث عام734ق.م.

في القرن السابع قبل الميلاد احتل الكلدانيون مشق وبقوا فيها إلى أن احتلها الفرس عام 538 ق.م.حيث أصبحت جزءا من   الامبراطوريةالفارسية    .

ونتيجة للصراع الذي كان قائما بين الدول اليونانية و الإمبراطورية الفارسية غزا لاسكندر المقدوني سورية عام 333ق.م. وبذلك دخلت دمشق تحت السيادة المقدونية, مما أحدث تجولا كبيرا في تاريخ المنطقة وتاريخ دمشق خاصة.

دمشق في العهد اليوناني – :

بعدا لغزو المقدوني , ارتبطت دمشق بالغرب لفترة طويلة قاربت الألف عام تعاقبت فيها على دمشق فترات من الازدهار وأخرى من الصراعات الداخلية والغزوات الخارجية .فبعد وفاة الاسكندر كانت دمشق و بلاد الشام من نصيب خلفائه السلوقيين الذين ابدوا اهتماما بالغا بدمشق. في ظل الصراع القائم بين السلوقيين في إنطاكية والبطالمة في مصر, عاشت دمشق فترة من الفوضى وعدم الاستقرار. لكن هذا لم يمنعها من أن تشهد نهوض وازدهار الحضارة الهلنسية التي تمازجت فيها العناصر الحضارية اليونانية مع العناصر الحضارية الشرقية. مما أدى إلى انتشار لغة اليونان وثقافتهم و فنونهم بين أبناء دمشق.

العهد الروماني :

غربت شمس العهد اليوناني في دمشق عام64ق.م عندما دخلت جيوش الرومان وسيطرت على المدينة وفرضت الأمن والنظام. فاستقرت الأوضاع وبدأت دمشق تشهد نشاطا تجاريا واسعا مستفيدة من موقعها كمحطة رئيسية على طريق القوافل المتحركة في أنحاء الإمبراطورية الواسعة مما أعطاها دورا هاما في الحياة التجارية الرومانية. وقد أصبحت دمشق في عهد الإمبراطور هادريان حاملة لقب المترو بول- أي مدينة رئيسية- ثم حملت لقب مستعمرة رومانية كما لمع العديد من أبنائها مما فتح الطريق أمامهم للوصول إلى مراكز هامة في روما.

وفي اواخر القرن الرابع الميلادي انقسمت الإمبراطورية الرومانية, وغدت دمشق من أملاك الجزء الشرقي ,الذي عرف باسم الدولة البيزنطية , التي حملت عبء الصراع التاريخي  مع الإمبراطورية الفارسية مما جعل دمشق تحتل مركزا عسكريا هاما في مواجهة الفرس .كما غدت من أهم  مراكز دولة الغساسنة التي قامت في بلاد الشام.لكن دمشق وقعت بيد الفرس عام 612م فعاشت فترة من الركود مما اثر سلبا على مركزها , وبعد خمسة عشر عاما استعادها الروم على يد هرقل 627م لكنها ما لبثت أن عادت إلى حكم العرب بعد أن دخلتها جيوش المسلمين عام 635م.

دمشق في العهد العربي الإسلامي :

العهد الأموي :

بعد دخول الجيوش الإسلامية دمشق واستقرار الأوضاع فيها , انتقلت الخلافة إليها وأصبحت عاصمة الدول الإسلامية مما أعطاها دورا مركزيا في حياة الدولة الجديدة المترامية الأطراف فنشطت التجارة وازدهرت الصناعات والحرف وتقدمت الزراعة بخطى واسعة من خلال الإصلاحات والإنشاءات التي تمت في هذا المجال. كما أصبحت من أهم الحاضرات السياسية في العالم . وقد استمر حكم بني أمية في عاصمتهم دمشق حتى عام 750م.

العهد العباسي:

خسرت دمشق مركزها كعاصمة لدولة الإسلام , بعد أن سيطر العباسيون على مقاليد الحكم وجعلوا بغداد عاصمة لهم.ونتيجة للاضطرابات والفتن التي حدثت في دمشق دبت الفوضى والخراب في ربوعها رغم محاولة بعض الخلفاء العباسيين لرفع شانها. وفي سنة 868 م أصبحت دمشق تابعة للدولة الطولونية في مصر التي كانت موالية للخلافة العباسية في بغداد, واستمرت في هذه الوضعية حتى سيطر عليها الفاطميون وألحقوها بالخلافة الفاطمية التي أصبحت عاصمتها القاهرة.

العهد الفاطمي :

لم تستقر الأوضاع في دمشق خلال العهد الفاطمي فقد نشبت العديد من الثورات ضد الحكم وكثرت الفتن الداخلية مما نشر الخراب والدمار في العديد من أحياء دمشق. وقد استطاعت إحدى الثورات أن تطرد الفاطميين من دمشق عام 973 م.إلا أن الفاطميين نجحوا في العودة إلى دمشق وثبتوا أقدامهم فيها خلال قرن من الزمن حيث ساد التأخر والفوضى , وتدهورت أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وقد استمر الحكم الفاطمي حتى 1075 م.

العهد السلجوقي :

استعادت الخلافة العباسية دمشق على أيدي قادة من الأتراك عرفوا بالسلاجقة , وقد حكم هؤلاء دمشق فعليا مع ارتباطهم بالخليفة العباسي في بغداد اسميا .ركز السلاجقة على بناء الجيش الذي قارعوا بواسطته الغزاة الصليبيين.

وكانت الحرب بينهم سجالا حتى عام 1149 م حيث نجح الصليبيون في الوصول إلى خارج دمشق وحصارها . إلا أنهم لم يستطيعوا احتلالها . ونتيجة للتهديدات الصليبية استقدم نور الدين محمود زنكي عام 1154 م الذي مد نفوذه إلى مصر . فغدت مصر و الشام دولة واحدة وارتفعت مكانة دمشق حيث صارت المركز الأهم للنشاط التجاري والسياسي و العسكري في المشرق.

العهد الأيوبي :

بعد وفاة نور الدين عام 1172 م استقرت مقاليد الحكم في مصر والشام بيد قائده صلاح الدين الأيوبي . وقد بويع سلطانا على بلاد الشام حيث صارت دمشق العاصمة الثانية . وبسبب قرب دمشق من ساحة العمليات في فلسطين استقر صلاح الدين في دمشق . وبعد تحرير بيت المقدس وتوحيد بلاد الشام و مصر توفي صلاح الدين  الأيوبي  عام 1193 م. لم يخلف صلاح الدين رجلا قويا فدبت الخلافات في أسرته  مما جر دمشق إلى حمأة البلاد والحصار والدمار و الحريق . وانتهى الحكم الأيوبي في مصر بانقلاب قام به قادة الجيش المماليك 1250 م كما انتهى حكمهم في دمشق على يد هولاكو عام 1259 م رغم صمود قلعة دمشق شهرا كاملا .وبعد أن استطاع حكام مصر دحر المغول في معركة عين جالوت استعادوا دمشق إلى سلطانهم .

العهد المملوكي :

استمرت الغارات المغولية المدمرة على دمشق , ووصلت إلى قمتها بحملة تيمورلنك عام 1400 م حيث استباح دمشق ونشر الخراب والدمار والقتل في جنباتها .

لكن دمشق المملوكية وبفضل جهد حكامها وعنايتهم استعادت عافيتها ونشاطها بسرعة ,وبدأت نهضة عمرانية وإصلاحات شملت جميع نواحي الحياة فنعمت دمشق في عهدهم- وخاصة الظاهر بيبرس وأسرة قلاوون والأمير تنكز – بكثير من الاستقرار والأمن مما نشط الحركة العلمية والمدارس والفنون والعمران . كما ازدهرت التجارة  والحرف .

لكن ضعف المماليك وفساد سلاطين المرحلة الأخيرة وقتال الفئات المتصارعة على الحكم كل ذلك أدى إلى تخلف ومجاعات وأوبئة مما سهل إنهاء الحكم المملوكي في دمشق على أيدي الدولة العثمانية الفتية .

العهد العثماني :

فتحت سوريا أبوابها للعثمانيين بعد انتصارهم على المماليك في معركة مرج دابق عام 1516 م أملا بالخلاص من ظلم وتعسف الحكام المماليك وبدأت دمشق صفحة جديدة في تاريخها حيث أصبحت جزءا من دولة تختلف عنها باللغة والثقافة والعادات والتقاليد . ومع ذلك فقد كانت الآمال معقودة على حكام الدولة الجديدة لما يربطهم مع بلاد الشام من أواصر دينية . وهكذا فقد اندمجت دمشق بالحياة التركية فضعفت اللغة العربية لان اللغة التركية أصبحت هي اللغة الرسمية للدولة . ولكن رغم ابتعاد خطر الصليبيين والاستقرار , والاطمئنان الذي تلا ذلك فان دمشق ذاقت الويلات من ظلم الحكام وتعسفهم ومن جباة الضرائب والانكشارية .

ورغم ما عانت دمشق فقد بقيت على صلة بالعالم الخارجي من خلال التجارة والتي ازدهرت بسبب شهرة دمشق ببعض الصناعات , كصناعة النسيج الحريري وحفر المعادن و الخشب وصناعة ترصيع الخشب بالصدف و صنع الموزاييك . إذ كانت دمشق محطة وسوقا تجاريا تلتقي فيها بضائع الشرق والغرب ويقصدها البدو القادمون من الجزيرة كما يقصدها التجار والسواح وبالإضافة إلى كونها محطة رئيسية من محطات التجارة  العالمية فإنها مركز تجمع الحجاج من أنحاء الدولة العثمانية .

قـِيـل بدمشــق

فرشتُ فوقَ ثراكِ الطاهـرِ الهدبـا
فيا دمشـقُ... لماذا نبـدأ العتبـا؟

حبيبتي أنـتِ... فاستلقي كأغنيـةٍ
على ذراعي، ولا تستوضحي السببا

أنتِ النساءُ جميعاً.. ما من امـرأةٍ
أحببتُ بعدك..ِ إلا خلتُها كـذبا

يا شامُ، إنَّ جراحي لا ضفافَ لها
فمسّحي عن جبيني الحزنَ والتعبا

وأرجعيني إلى أسـوارِ مدرسـتي
وأرجعيني الحبرَ والطبشورَ والكتبا

تلكَ الزواريبُ كم كنزٍ طمرتُ بها
وكم تركتُ عليها ذكرياتِ صـبا

وكم رسمتُ على جدرانِها صـوراً
وكم كسرتُ على أدراجـها لُعبا

أتيتُ من رحمِ الأحزانِ... يا وطني
أقبّلُ الأرضَ والأبـوابَ والشُّـهبا

حبّي هـنا.. وحبيباتي ولـدنَ هـنا
فمـن يعيـدُ ليَ العمرَ الذي ذهبا؟

أنا قبيلـةُ عشّـاقٍ بكامـلـها
ومن دموعي سقيتُ البحرَ والسّحُبا

فكـلُّ صفصافـةٍ حّولتُها امـرأةً
و كـلُّ مئذنـةٍ رصّـعتُها ذهـبا

هـذي البساتـينُ كانت بينَ أمتعتي
لما ارتحلـتُ عـن الفيحـاءِ مغتربا

فلا قميصَ من القمصـانِ ألبسـهُ
إلا وجـدتُ على خيطانـهِ عنبا

كـم مبحـرٍ.. وهمومُ البرِّ تسكنهُ
وهاربٍ من قضاءِ الحبِّ ما هـربا

يا شـامُ، أيـنَ هما عـينا معاويةٍ
وأيـنَ من زحموا بالمنكـبِ الشُّهبا

فلا خيـولُ بني حمـدانَ راقصـةٌ
زُهــواً... ولا المتنبّي مالئٌ حَـلبا

وقبـرُ خالدَ في حـمصٍ نلامسـهُ
فـيرجفُ القبـرُ من زوّارهِ غـضبا

يا رُبَّ حـيٍّ.. رخامُ القبرِ مسكنـهُ
ورُبَّ ميّتٍ.. على أقدامـهِ انتصـبا

يا ابنَ الوليـدِ.. ألا سيـفٌ تؤجّرهُ؟
فكلُّ أسيافنا قد أصبحـت خشـبا

دمشـقُ، يا كنزَ أحلامي ومروحتي
أشكو العروبةَ أم أشكو لكِ العربا؟

أدمـت سياطُ حزيرانَ ظهورهم
فأدمنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا

وطالعوا كتبَ التاريخِ.. واقتنعوا
متى البنادقُ كانت تسكنُ الكتبا؟

سقـوا فلسطـينَ أحلاماً ملوّنةً
وأطعموها سخيفَ القولِ والخطبا

وخلّفوا القدسَ فوقَ الوحلِ عاريةً
تبيحُ عـزّةَ نهديها لمـن رغِبـا..

هل من فلسطينَ مكتوبٌ يطمئنني
عمّن كتبتُ إليهِ.. وهوَ ما كتبا؟

وعن بساتينَ ليمونٍ، وعن حلمٍ
يزدادُ عنّي ابتعاداً.. كلّما اقتربا

أيا فلسطينُ.. من يهديكِ زنبقةً؟
ومن يعيدُ لكِ البيتَ الذي خربا؟

شردتِ فوقَ رصيفِ الدمعِ باحثةً
عن الحنانِ، ولكن ما وجدتِ أبا..

تلفّـتي... تجـدينا في مَـباذلنا..
من يعبدُ الجنسَ، أو من يعبدُ الذهبا

فواحـدٌ أعمـتِ النُعمى بصيرتَهُ
فللخنى والغـواني كـلُّ ما وهبا

وواحدٌ ببحـارِ النفـطِ مغتسـلٌ
قد ضاقَ بالخيشِ ثوباً فارتدى القصبا

وواحـدٌ نرجسـيٌّ في سـريرتهِ
وواحـدٌ من دمِ الأحرارِ قد شربا

إن كانَ من ذبحوا التاريخَ هم نسبي
على العصـورِ.. فإنّي أرفضُ النسبا

يا شامُ، يا شامُ، ما في جعبتي طربٌ
أستغفرُ الشـعرَ أن يستجديَ الطربا

ماذا سأقرأُ مـن شعري ومن أدبي؟
حوافرُ الخيلِ داسـت عندنا الأدبا

وحاصرتنا.. وآذتنـا.. فلا قلـمٌ
قالَ الحقيقةَ إلا اغتيـلَ أو صُـلبا

يا من يعاتبُ مذبوحـاً على دمـهِ
ونزفِ شريانهِ، ما أسهـلَ العـتبا

من جرّبَ الكيَّ لا ينسـى مواجعهُ
ومن رأى السمَّ لا يشقى كمن شربا

حبلُ الفجيعةِ ملتفٌّ عـلى عنقي
من ذا يعاتبُ مشنوقاً إذا اضطربا؟

الشعرُ ليـسَ حمامـاتٍ نـطيّرها
نحوَ السماءِ، ولا ناياً.. وريحَ صَبا

لكنّهُ غضـبٌ طـالت أظـافـرهُ
ما أجبنَ الشعرَ إن لم يركبِ الغضبا
 

 

 
 

  بـغــداد  عاصمة الرشـيد وبلاد الرافـدين

 
     
 

 
 

 

بغداد هى عاصمة العراق وتعد اكبر مدنه وايضا من كبرى مدن الشرق الاوسط وهى مدينه عريقة يعود انشائها الى عهد ابو جعفر المنصور ثانى خليفة عباسى 145 هـ 762 م وتمثل بغداد حاليًّا حالة من حالات التتابع المدني في إطار موقع واحد ففي إطار موقع الرافدين تتابعت العواصم من بابل القديمة إلى سلوقية الإغريقية وقطيسنون الفارسية التي كانت تعرف بمدائن كسرى ثم بغداد العربية الحالية , لا تزال نواة بغداد القديمة موجودة حتى الآن تنتشر حولها الأجزاء الحديثة حول البوابات الشمالية والجنوبية القديمة على الجانب الغربي لنهر دجلة على بعد 540كم تقريبًا إلى الشمال الغربي من الخليج العربي , وصلت مدينة بغداد لذروتها فى عصر الخليفة العباسى الثالث هارون الرشيد  الرشيد سنة 184هـ، 800 م بلغ عدد سكانها أكثر من مليون نسمة وصارت مركزًا مهمًّا للتعليم و فقدت هذه المكانة عندما غزاها المغول والتتار ثم الفرس والأتراك منذ عام 257هـ، 1358م وتعرضت لكثير من الحروب والحرائق والفيضانات المتكررة  و أصبحت عاصمة العراق عام 1339هـ، 1921م وقد تعرضت للتدمير خلال حرب الخليج العربي1991م.
تشغل بغداد الموقع ذاته الذي كانت تشغله من قبل مدينة بابل الآشورية التي كانت تقع بالقرب من نهر الفرات على بعد 90 كم من مدينة بغداد ثم حلت محلها مدينة تسبنون التي كانت تقع على بعد بضعة كيلومترات من موضع بغداد الحالية واستمرت قائمة مركزًا رئيسيًّا للبلاد حتى حلت محلها بغداد في أوائل العصر العباسي و تكمن أهمية موقع بغداد في توافر المياه وتناقص أخطار الفيضانات مما أدى بدوره إلى اتساع رقعة المدينة وزيادة نفوذها إلى جانب سهولة اتصالها عبر دجلة بواسطة الجسور التي تربطها بالجانب الأيسر من النهر , و يوجد بها متحف تعرض فيه الآثار المختلفة من جواهر وعملات وهياكل بشرية وتماثيل من عصور ما قبل التاريخ حتى القرن السابع عشر الميلادي ومن شواهدها الابديه الآثار الإسلامية التي تتمثل في بقايا سور بغداد ودار الخلافة والمدرسة المستنصرية ومقر المعتصم ومسجده الشهير وتحتوي على مسجدين تاريخيين هما مسجد الإمام موسى الكاظم ومسجد الإمام الأعظم و القصر العباسي والمشهد الكاظمى وجامع المنصور وجامع المهدى و جامع الرصافة والمدرسة الشرفية بجوار قبر أبي حنيفة النعمان والمدرسة السلجوقية والمدرسة المستنصرية.

اما من الناحية الاقتصادية فتعد بغداد مركزًا للعديد من المصانع والورش، والمركز الرئيسي للصناعة فى العراق كما تعد مركزًا تجاريًّا رئيسيًّا وحلقة وصل بين تركيا وسوريا والهند وجنوب شرق آسيا والسوق التجاري الرئيسي فى الدوله وايضا تعد أيضًا مركزًا سياحيًّا هامًّا يزوره أكثر من مليون سائح في السنة قبل الحصار حيث كان المطار الدولى يعمل وتعد ايضا بغداد من المناطق الزراعية حيث ان كثير من توابعها تعتمد على زراعة كثير من الغلات .

ويتكون معظم سكان مدينة بغداد من العرب المسلمين ، ويشكل اليهود والنصارى في مدينة بغداد أقليات دينية ، كما يشكل الإيرانيون والتركمان والاكراد أقليات قومية و تعتبر في الوقت الحاضر رابعة كبريات العواصم الإسلامية من حيث حجمها السكاني و تتميز بغداد بالشوارع العريضة المتقاطعة بخطوط مستقيمة تطل عليها العمارات حديثة الطراز.ينقسم مركز العاصمة إلى جزأين هما الكرخ على الجانب الغربي لنهر دجلة ، والرصافة على الجانب الشرقي للنهر وفي كلا الجزأين نجد المباني الحديثة وعلى جانب آخر الشوارع الضيقة المتربة والمحلات القديمة، أما المناطق الصناعية فتمتد من مركز بغداد إلى خارجها وضواحيها و تشغل مدينة بغداد مساحة قدرها حوالي 660 كيلو متر مربع .

 

 
 

قـيـل في بغـداد

 

 
 

ولعل دجلة بما تحمله من معنى واسع لم تخالط وجدان شاعر عراقي وعربي ومكنونات قصائده كما خالطت عاطفة الشاعر محمد مهدي الجواهري. ويتضح ذلك جليا في رسمه لكل ما يدور الآن في العراق وكأنه كان يراه ويشهد عليه دجلة.. تلك النائمة على سكر أبي نواس ووشي حضارة الرشيد ودل الأمين وقوة المعتصم وجبروت الحجاج وحزم المنصور وأنغام الموصلي.

يبدأ الجواهري قصيدته "دجلة الخير" كأنه ينادي محبوبته -وكما نادى المجنون جبل التوباد– فيقول:

حييت سفحك عن بعد فحييني      يا دجلة الخير يا أم البساتين
حييت سفحك ظمآنا ألوذ به        لوذ الحمائم بين الماء والطين

ويعترف الجواهري بأن ظمأه الأبدي لا تجليه إلا دجلة، الأمر الذي يجعلنا نجزم أن هذا الظمأ هو من نوع آخر.. ظمأ الشوق والبعد والاغتراب وظمأ الظلم والحب والذكريات وظمأ الحرية:

يا دجلة الخير يا نبعا أفارقه      على الكراهة بين الحين والحين
إني وردت عيون الماء صافية    نبعا فنبعا فما كانت لترويني

ويزيد عطش الجواهري إلى الأرض والحنين إلى الماء حتى يغلبه الغياب عن اللحظة الحياتية ويدخل عالم اللاوعي لنجده يتمنى أن تكون دجلة بعمقها قبره, وشراع قاربها الذي تلعب به الرياح -مثله مثل مصير الشاعر في اغترابه- كفنه، ويقول:
وأنت يا قاربا تلوي الرياح به      ليّ النسائم أطراف الأفانين
وددت ذاك الشراع الرخص لو      كفني يحاك منه غداة البين, يطويني

ولا نجد مبررا لهذا الإصرار على التوحد مع كل مفردات دجلة سوى غلبة اليأس على أمل لقاء الحبيبة أو إحساس الجواهري الشديد بالألم والحسرة والخوف مما هو قادم حيث يقول:

يا دجلة الخير قد هانت مطامحنا      حتى لأدنى طماح غير مضمون

وهذا اليأس السياسي الذي سكبه الجواهري شعرا لا يبعد أصابع الاتهام عن دجلة العاشق والمعشوق سليل أبي نواس المجنون الذي راهن ما ألبسته وخلعته عليه الملوك في شربة زق حيث يقول:

يا مستجم النواسي الذي لبست      به الحضارة ثوبا وشي هارون
الغاسل الهم في ثغر وفي حبب     والملبس العقل أزياء المجانين
والراهن السابري الخز في قدح     والملهم الفن من لهو أفانين
يا سكتة الموت يا أطياف ساحرة   يا خنجر الغدر يا أغصان زيتون

غير أنه تجريم ولوم من ولهان محب لا يلبث أن يمتطي صهوة المجد الممجد لمحبوبته وذكر محاسنها وأصلها الضارب في العمق، ليبث ألمه مع ألمها ومشاركته لها ما يعتريها من شحوب وما عليها من غبار صروف الدهر بل ما يخبئه لها آنذاك المستقبل-الحاضر:

يا أم بغداد من ظرف ومن غنج     متى التبغدد حتى في الدهاقين
يا أم تلك التي من ألف ليلتها        للآن يعبق عطر في التلاحين
يا دجلة الخير ما يغليك من حنق    يغلي فؤادي وما يشجيك يشجيني
ما إن تزال سياط البغي ناقعة في   مائك الطهر بين الحين والحين
ووالغات خيول البغي مصبحة      على القرى –آمنات- والدهاقين

ويأتي البيت التالي في شكل إجابة غريبة على سؤال ربما لم نقرأه لكننا لا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا إن دجلة -المسجونة بالرصافة والكرخ وبأشياء أخرى- ربما أسرت بمعاناتها لشاعرها بلغة لا نفهمها نحن ليقول:

يا دجلة الخير أدري بالذي طفحت     به مجاريك من فوق إلى دون
أدري على أي قيثار قد انفجرت       أنغامك السمر عن أنات محزون
أدري بأنك من ألف مضت هدرا      للآن تهزين من حكم السلاطين
تهزين من خصب جنات منثرة        على الضفاف ومن بؤس الملايين
تهزين من عتقاء يوم ملحمــة       أضفوا دروع مطاعيم مطاعين
الضارعين لأقدار تحل بهــم        كما تلوى ببطن الحوت ذو النون
يرون سود الرزايا في حقيقتها         ويفزعون إلى حدس وتخمين
يا دجلة الخير والدنيا مفارقـة        وأي شر بخير غير مقرون
لعل يوما عصوفا جارفا عرسا       آت فترضيك عقبان وترضيني

وعلينا أن نسأل هنا هل لدى الشاعر قوة حدس وبعد سياسي يختزل الزمن ويمتلك القدرة على صياغة أحداث المستقبل كما هي قبل أن تقع؟ لماذا أسر الجواهري لدجلة بما نعيشه الآن في شكل خوف وتوجس وتعميم لم نفهمه أو بالأحرى لم ندركه، إلا بعد أن عايشنا الحرب وما يحدث الآن؟

وربما كان بيته التالي فيه توضيح لهذا السؤال حينما يشرح أن الشعر ليس سوى بعض قراءة للغيبيات والأقدار منذ الأزل:

يا دجلة الخير كان الشعر مذ رسمت     كف الطبيعة لوحا سفر تكوين

وفي هذه الرحلة مع الشاعر الخالد بنهره والنهر الخالد بشاعره ومنابعه ومصابه لا ننسى أن هناك أيضا نوعا من الحب لمخلوقات ذلك النهر لدى الجواهري الذي تكلم حتى عن ضفادع دجلة، واصفا نقيقها بمراسيل مشفرة بين العاشقين قائلا في قصيدة أخرى:

سلام على جاعلات النقيق       على الشاطئين بريد الهوى
لعنتن من صبية لا تشيخ        ومن شيخة دهرها تصطفى

ولئن فاق الجواهري بمذاق العصر, وفتنة المغايرة, والقدرة الفذة على إبداع الصورة الشعرية في منمنماتها، وتنويعاتها الإيقاعية، وبنَفَس شعري هو الأبعد مدى وغاية بالنسبة لأقرانه الكبار من شعراء العصر فلقد سبقه في هذا العشق لدجلة ولبغداد ابن زريق عندما يهيم وهو بعيد بقمر دجلة المتراقص على وجهها:

أستودع الله في بغداد لي قمرًا      بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه.

 

 
 

يادجلة الدمع

كتابات - وجيه عباس

تبغددي، وأريني طينتي بلـدا          وأمطريني على شباكهـا جسدا

ألقيه في اليم يمتدّ الـتراب لـه          فيستفيق على أمواجـه زبــدا

كأن صوتك إذ ينأى ليهـتف بــي          طيني عراقك.. كان الصوت ثم صدى

من أي منأى يجيء البحر نافــذة          والريح تسكن أفواه الرمال مدى

النأي يورق في الاطراف أنملـة          تهدي، لعل سناها يستفــيق هدى

والليل غابة ترحال وراحلتـي          نوء، وكل رحيل عن سواك سـدى

لاظل دونك إلا الله ياوطـني         ولاتراب به إلاك ملتحـدا

ولست اؤثر لوقايضت دمـعـته          بحرا من النيل أوبحرين مـن بردى

يادجلة الدمع يابغداد ياكفـــنا          للارض تلبسه يوم التناد غــدا

ويانبي بلاد أسرجـــوا دمــه          ليطفئوه على صلبانـــهم، فشدا

طافت بكعبته الاقدام عاريـــة          فلو تنعل فيها راكـــع  سجدا

ولست بالجسد المهجورلوقبـضت          كفاك صلصاله ، إذ كنتـه ، فبدا

                                                                 ********

ياأيهاالصوت كن صوتي فحنجرة          الارض إستفاقت وألقتني هنـاك حدا

طوف وغابة أهداب ستبحــر بــي         والشعر تيه ، إذا ماجئته ابتعــدا

ثديان من مطر عار وألف فــم          ظام، فعن أي مرآة بـــها وردا

تكاد تمتد في صمتي فتـلبســني          وجها كوجهي ، وليلا موحشا، وندى

توحّدي موحش ، لاظلّ لي ويـدي          طفولة البستني شيبها صفــدا

كأسان ذي خمرتي تبكي وذاك دمي

                                                  تصبّع الشعر فيه فأستطال يــدا

ومامددت بها إلا وقافيــتي         عرس لصوتك إذ كل الحروف صدى

كأنها حين تسعى بين أخوتـها          قميص يوسف في أخوانه وجـدا

دم القصائد والمعنى يـــد وفم          إذا توضّأت فيه راكــعا سجدا

أسكنت فيه صباحاتي علـى شفة          رأيت فيه بــلالا والصلاة ردا

ماللثلاثين والسبع التي دلفـــت           قد آن للحرف يابغـــداد أن يلدا

                                                                    ******** 

وجئت بغداد كالضلّيل يتبعــني        ظلّي ، فأن عدت عنه راشـــدا ، بعدا

وجدت ريحك مابيني، فألبسنــي          ليل النواسي حبّات الندى بــردا

خمرا غلاميّة مابين دجلتــها           نام الفرات على جنبيه منــفردا

وكنت بينك دون الطين مـنزلـة           والماء في الروح حتى كنته جســدا

وجدتك إمرأة الدنيا ودجلتـها           غمرت بالطين منّا أوجها ويــدا

وكنت لي راية، ماأن هتفت بهــا           وجدت في كلّ حرف قلته بــلدا

ولم أكن ممن إستدبرت قبلته           مخافة الفقر أو دهر عليك عــدا

                            هم ضيّعوك وضاعوا خلف جنّتهم            وحيث يشتجر المنفى بما وعـدا

وهم أضاعوك طينا بين جبهتهـم             وقد توارى دمي في الماء وابتـردا

                            وجدتني ظلّك الغافي ، فأن ذرفت              عيناك، جئتهما أما بكت ولــدا