الالوسي والصعود الى الهاوية!

 

مروان ضاهر

 

العباءة العربية لم تعد صالحة للتعاطي مع موضوعاتنا العربية بل ان ديمقراطية السيد مثال الالوسي رئيس هيئة اجتثاث البعث او امينها العام والتي رأى من خلالها ديمقراطية الكيان الاسرائيلي الرافع ليافطات او لاشارات سير "نقش" عليها باللغتين العربية والعبرية فاجأته وربما تكون قد عقدت لسانه وشلت تفكيره·

ألم يفاجأ السيد الالوسي بما شاهده وبما سمعه وبما قراه وعلى مدى اكثر من نصف قرن بما قام به هذا الكيان"الديمقراطي" وقوات ما يسمى"جيش دفاعه" في فلسطين "دير ياسين وغيرها من المدن"، ولا في مصر "مدرسة بحر البقر وسواها "، الم تحرق "اسرائيله" والتي فوجئ بديمقراطيتها خيمة الامم المتحدة في قانا الجنوب اللبناني وبداخلها مدنيون عزل من اطفال ونساء وشيوخ·

هل خذلته ذاكرته الى هذا الحد عندما نسي "مفاعل تموز"، هل نسي صولات الديمقراطية الاسرائيلية مع ابو اياد في تونس ومع الشيخ احمد ياسين في غزة، وهل نسي ونسي ونسي الى أخره "ديمقراطية" سحقت تحت جنازير دباباتها ورشت مع قنابل نابالمها وقذائفها العنقودية اجسادا" وامتزجت مع دماء شعب عربي الى اي اقليم او ساحة انتمى؟

عربي اتا ولست ناطقا" باللغة العربية كما البعض·

بعثي أنا؟ هذا شرف لا أدعيه·

فللحزب رجال وقادة ومفكرون قادرون على الدفاع عنه، وعلى الوقوف بوجه خصومه·

وما دام السيد الالوسي يستطيع تمييز اللغة العربية من العبرية فقد يستطيع قراءة رأي اخر لا اعلم ان كانت ديمقراطيته ستتقبله او ان كان فكره سيستسيغه·

لم يكن مستغربا" ان يقوم رئيس هيئة اجتثاث او استئصال حزب البعث بزيارة الى اسرائيل "الكيان والفكرة والحلم" ليشارك ويبارك "مؤتمرا" حول الارهاب" في هرتزيليا·

طبعا فنهج استئصال الفكر القومي العربي سواء كان بعثيا ام ناصريا ام اسلاميا" لايتناقض اطلاقا" مع الفكر الصهيوني التلمودي الاستعلائي العنصري، فهذان خطان متطابقان مترابطان منتميان الى تفس الاصول ويستمدان بقاءهما من نفس الجذور وينبعان من نفس المغارة·

لقد تاثر السيد الالوسي وفوجئ بحفاوة الاستقبال وادعى بانهم"ثقفونا على ان اسرائيل تنكل بالمواطنين العرب الذين يعيشون داخل احياء مغلقة وعلى انها تمنعهم من البروز في المجتمع"

أتساءل أنا اليوم هل ان ما رآه الالوسي في فلسطين المحتلة يختلف عما تظهره شاشات التلفزة وعن ما تتناقله وسائل الاعلام عامة؟

هل هدم البيوت على ساكنيها ومصادرة الاراضي وجرف الحقول والبساتين وقتل المواطنين العرب واقتحام المساجد ومحاصرة الكنائس دليل رقي وتقدم ويدفعه للتصريح الى ان"العديد من المثقفين في العراق يعرفون انه ينبغي اخذ اسرائيل بالاعتبار بصفتها واقعا قائما"؟

أليس الجدار العازل الذي يقوم الكيان الغاصب ببنائه بهدف خلق احياء مغلقة بل قل مدنا" واراضي مغلقة ليعيش فيها عرب فلسطين والذين بنظرهم اقل شانا" واكثر خطرا"، أليس فصلا" عنصريا"؟

أليس حقدا" دفينا" تاريخيا" على نوع وجنس من البشر تتمنى له اسرائيل الانقراض والضمور والتحلل والاندثار والذوبان؟

ما الفرق بين اجتثاث البعث ونحر الناصرية ومحو القومية العربية من جهة وبين ما تقوم به اسرائيل من ناحية اخرى؟

عن الأندلس وحرب العراق وقانا

رسائل إلى إيتل عدنان

كتبت الشاعرة والرسامة ايتل عدنان مجموعة رسائل الى فواز طرابلسي ما لبثت ان نشرتها بالإنكليزية تحت عنوان "عن مدن ونساء - رسائل الى فواز" وصدرت في العربية لدى "دار النهار" بالعنوان نفسه عام .1998 وفي ما يأتي بعض الرسائل الجوابية من فواز طرابلسي إليها.

1

اسبانيا بعد ربع قرن.

المناسبة: حضور "المؤتمر الثالث لكتّاب البحر الأبيض المتوسط" (15-19 نيسان 1986) تحت عنوان "المثقف والنضال من اجل الديموقراطية". في صحبة رفاق الرحلة البلنسية، محمود درويش والياس صنبر وفاروق مردم بك، قررنا تمضية يومين في برشلونة. وقعت في غرام برشلونة المتوسطية من أول نظرة. دفعتني استيهاماتي الى ان اتخيلها نموذجا مثاليا عن بيروت المشتهاة. هتفتُ الى نوال في باريس: احزمي حقائبك، ننتقل للسكن في برشلونة.

عزيزتي إتيل،

تروين في رسالتك الاخيرة عن برشلونة مشاهدتك امرأة عارية تشق طريقها عبر الجموع على ارصفة المدينة ("الرامبلاس"). المشهد يثير فيّ ذكريات المناظر الملحمية من افلام يانشكو المجري. وحده الجسد العاري يعلن الحرية. فلا عجب ان يكون الفوضويون الاسبان قد مارسوا طقوس التعري الجماعية.

لم اشاهد على الرامبلاس في برشلونة امرأتك العارية. لكني شاهدت اسبانيا تتحرر من الصمت الذي فرضته على نفسها حول الحرب الاهلية. اضافة الى صور فرنكو اليومية "دياريو 16" تنشر فصولا من كتاب المؤرخ البريطاني هيو طوماس وهو المرجع الكلاسيكي عن الحرب. اخيرا، صار في مكنة الاسبان ان يعرفوا عن حربهم ما قد عرفه عنها الغرب وسائر العالم منذ عقود من الزمن. "تتذكر او لا تتذكر"، تلك هي المسألة. والاسبانيون على الحد بين الاحتمالات. هناك جيلان على الاقل ولدا بعد الحرب الأهلية.

لبلنسية علاقة مميزة بالجمهورية والحرب. كانت المدينة عاصمة الحكومة الجمهورية خلال ما يقارب السنة عندما اشتد الحصار على مدريد عام 1936 - 1937 فانتقلت اليها الحكومة الجمهورية تاركة العاصمة في يد لجنة ثورية لعب فيها الشيوعيون والفوضويون دورا بارزا. وكانت بلنسية ايضا آخر معقل جمهوري سقط في يد الفرنكويين. وها هي الآن المدينة الاسبانية الوحيدة التي تنظم احتفالا في مناسبة مرور خمسين عاما على الحرب الاهلية. لم تكن المهمة سهلة، ففرض الاحتفال فرضا بواسطة الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي الحاكم الذي يسيطر على الحكومة المحلية لبلنسية. خلال حفل الاستقبال الذي نظمته البلدية يرحب بنا الشاعر خوان جيل آلبرت، معاصر لوركا وماتشادو وآخر الشهود الاحياء من مثقفي جيل الحرب. وفي عشية اليوم نفسه، شاهدنا عبر التلفزة برنامجا خاصا عن دور الحزب الشيوعي في النضال ضد فرنكو، ولكن اين الحزب الذي بدا لفترة كأنه طليعة عملية تجديد في الحركة الشيوعية العالمية؟ مع صعود الاشتراكيين الى الحكم، تضاءل وزنه الانتخابي ودوره في المجتمع والسياسة وقد انهكته النزاعات الداخلية. طرد امينه العام سانتياغو كاريّو الذي كان نظّر للتداول السلمي والديموقراطي للسلطة الا انه عجز عن ان يكون ديموقراطيا داخل حزبه. وللحزب الآن قيادة شابة. اما الاقلية التي خرجت مع كاريّو فارتدّت الى خط متزمت والى الولاء المطلق للاتحاد السوفياتي.

المؤتمر نفسه يكشف غنى التنوع الثقافي واللغوي في اسبانيا الديموقراطية حيث اللغة الرسمية هي الكاستيانية تجاورها ثلاث لغات شبه رسمية هي الغاليسية والكاتالونية والباسكية. يشرح لنا احد الكتّاب ان الامة الاسبانية، بعد عملية اللامركزية الواسعة التي اعتمدتها، لم يعد يجمع بين اجزائها سوى مؤسستين: العرش والقوات المسلحة. اللافت هو اصرار معظم المثقفين الكاتالونيين على القاء مداخلاتهم بلغتهم الام، ولتلك اللغة جرس يذكّر باللغة الفرنسية، والقول المأثور بين الادباء الاسبان قاطبة: "وطننا الوحيد هو اللغة".

في المساء، الى المسرح لحضور آمانثيو برادو، نجم الغناء الاسباني الكبير، يغني للوركا "اغاني الحب السري": خمسون دقيقة كثيفة تؤكد تلازم الشعر مع الغناء لاداء كل غموض الحب المثالي ولوعته، تليها جولة لنا في مدينة تشبه ساحتها ساحة البرج في بيروت شبهاً غريباً. يطل على الساحة فندق فيكتوريا حيث كان يقيم لوركا في زياراته للمدينة وحيث كتب "اغاني الحب السري". دليلنا الى بلنسية الكاتب الكبير خوان غويتسولو يروي لنا كيف انه، بعد وفاة فرنكو، عمل ومجموعة من اصحابه على تدمير تمثال لفرنكو كان يتوسط الساحة. لم يكن الامر سهلا، كانت عصابات من حزب الكتائب تحرس النصب واقتضى الامر التحايل عليهم او الاضطرار الى الاشتباك معهم ناهيك بأن المهاجمين اكتشفوا ان لأسفل التمثال قضبانا من حديد مغروسة عميقا في الأرض. يا لها من رمزية دالة على عمق جذور الفرنكوية في تلك التربة.

16 نيسان 1986

في السهرة التالية، انطونيو غاديس وفرقته يعرضون "كارمن" على شكل مسرحية راقصة هي اشبه بسخرية من "كارمن" الاصلية لميريميه وبيزيه، واعادة استيعابها اسبانياً بواسطة الفلامنكو. فرقة رقص تتدرب على تمثيل اوبريت "كارمن" وتتكرر خلال التدريب قصة الحب التي تدور مدارها اوبريت "كارمن" بين مدير الفرقة وراقصتها الاولى. لا يستبقي غاديس من الاوبرا الاصلية غير المقطعين الغنائيين الاشهر عن "الحب طفل بوهيمي"، اما الباقي فتعبّر عنه لغة الايدي والارجل والمناكب والانامل في لوحات فردية او زوجية او جماعية من الفلامنكو. ومن المشاهد التي لا تنسى رقصة الحسد والتحدي بين المتنافستين على حب مدير الفرقة وفيها كل الوحشية والشبق في استدعاء الرجل.

تعليق خوان ونحن خارجون: تستطيعون اكثر من سواكم تقدير الرقص الاندلسي لشبهه الكبير بالرقص في بلادكم. لست متأكدا من صحة المقارنة. فما من رقصة عربية تضاهي جنون الرقصة الغجرية. اما لغة الايدي والانامل فلعله يمكن تشبيهها برقصة السماح، وهي الرقصة الجماعية التي ترقصها النساء خاصة على انغام الموشحات الاندلسية في دمشق وحلب. لكن السماح اكثر هدوءا وعذوبة من الفلامنكو. مرافقتنا الاشتراكية، واسمها ايضا كارمن، ترى في عنف الرقصة تعبيرا عن عنف الصراعات الاجتماعية في الأندلس.

- هل استطيع ان اسألك ماذا كنت تفعل ابان الحرب الاهلية؟

سؤال موجّه الى الرجل الصغير القامة الذي نشأ بيني وبينه تواطؤ كبير خلال تلك الايام القليلة وقد جاء لتوديع الوفد العربي العائد الى باريس.

- كل شيء، كان جوابه.

انه مستشار وزير الثقافة في حكومة منطقة بلنسية المستقلة ذاتيا. في مقهى الفندق، يكشف ضيفنا عن نفسه بصعوبة. فهمنا في ثنايا الحديث انه كان مسؤول الحزب الشيوعي الاسباني عن العمل السري في بلنسية ابان الحكم الفرنكوي. يخبرنا صديقه انه عاش عشر سنين في غرفة واحدة. ليس في الغرفة، بل في خزانة الغرفة لأنه كان مختبئا لدى اسرة لا تملك غير تلك الغرفة وكان عليه ان يختبىء في الخزانة كلما جاءهم زائر. ترك الحزب الشيوعي بعد خطاب خروتشوف الشهير الذي فضح فظائع الستالينية. وهو الآن يساري مستقل يؤيد الحزب الاشتراكي الحاكم.

- يقولون لي ان اسم آسرتي من اصل عربي Suay ويرجح انه "شوي" بالعامية او "سويد"، ويفيدنا ان قسما كبيرا من قرى منطقة بلنسية مسمّاة على اسماء القبائل العربية التي استوطنتها.

نضج من العمر، كما يقول. والمهم بالنسبة اليه ان لا يتكرر النزاع المسلح. فبعد المعاناة أيام الفرنكويين، باتت الديموقراطية اثمن شيء حتى ولو تمّت على حساب إنجازات أخرى.

هل هو نادم على شيء من خلال تجربته الطويلة؟ حادثة مهمة اثرت في مجرى حياته: اقدم على قتل احد القادة الفوضويين في بلنسية بناء على اوامر الحزب. لا يريد لمثل تلك الأمور ان تتكرر.

جاء دوره لكي يمطرني بالأسئلة عن لبنان. لم اجد صعوبة في التفسير بالاشارة الى حربهم ذاتها منذ خمسين سنة. يعترف لي انه لا يفهم كثيرا ما يجري في لبنان. مازحا اقول: ان هذا لسان حالي ايضا. اما على صعيد الجدّ، فأشرح: تصور لو ان الحرب الاهلية لم تنته بانتصار احد طرفيها بل استمرت خلال الاربعينات، كم كانت ستكون الشراذم والانقسامات في داخل المعسكرين المتحاربين، ان تلك الحال تشبه كثيرا ما يجري الآن في لبنان.

استأذن للوداع: نحن عجّزنا، لعلنا صرنا متشائمين اكثر مما يجب، اوصيكم بالامل. نتمنى لكم الأمل والنجاح.

- ولا يهمّك، الأمل مرضنا الذي لا شفاء منه.

الأحد 20 نيسان 1986

انفصلُ عن الفريق العائد الى باريس لوقفة في مدريد من اجل مقابلة "غيرنيكا" وجها لوجه. في ملحق متحف "البرادو" اجدها اكبر حجما مما تصورت، الا ان الالوان مثيرة. فلم اكن اتصور ان اللوحة تحوي ذلك العدد الكبير من دقاق الرمادي والازرق. ولكن فات الاوان. لكثرة ما شاهدت من صور منسوخة عن الجدارية الاصلية، ولكثرة ما انعمت النظر تأملا وتحليلا في ادق تفاصيلها، افتقد لقائي باللوحة الاصلية سحر النظرة الاولى. ومهما يكن، فقد فات الاوان، لسبب آخر هو ان مخطوطتي عن "غيرنيكا" في المطبعة. زد على ذلك ان الاجراءات الامنية المفروضة لحماية رائعة بيكاسو - كأنها زعيم سياسي خطير - تضفي على المشهد جوا غرائبيا حرمني الاستغراق في تأملها. فبين الجدارية والمشاهدين تنتصب درع زجاجية واقية من الرصاص والى جانبها يقف خفير من "الحرس المدني".

كنت اتصور "غيرنيكا" معروضة في ساحة عامة. اما في ذلك الملحق من متحف "البرادو" فأنها تبدو ملتبسة الدلالات بما هي آخر شاهد"حي" على الحرب الاهلية. فالمرء يتساءل هل يجري حماية هذه "اللوحة - الذاكرة" من النسيان ام انه فرض عليها الانزواء في ذاك المكان خلف درعها الواقية لكونها تحيي الاليم من الذكريات، تلك التي تريد اسبانيا اليوم نسيانها؟

عزيزتي إيتل،

كيف ينسى المرء حربا أهلية؟

5

في بلنسية مجددا لذكرى أخرى، هي ذكرى "المؤتمر الدولي للكتّاب المعادين للفاشية" الذي عقد في المدينة عام .1939 نحن لا نزال نفكر في الحروب الاهلية، فيما معظم مثقفي اوروبا واميركا - بمن فيهم الذين حضروا المؤتمر الاصلي امثال ستيفن سبندر واوكتافيو باث - جاؤوا لتلاوة افعال الندامة ولسان حالهم: اذا كان العدو في الثلاثينات هو الفاشية، فالعدو الواجب محاربته اليوم هو الشيوعية. وهذا دانيال كون بندت ، احد ابطال حركة الطلاب الاوروبية عام ،1968 وقد صار "داني الاخضر" نسبة الى "الخضر" الالمان الذين ينتسب اليهم، بعدما كان لقبه "داني الاحمر"، ينضم الى الجيل القديم في تأدية رسالة مماثلة. اما الندوة التي عقدها المثقفون العرب، من اعداد خوان غويتسولو وتقديمه عن العلاقات العربية - الاسبانية، زمن الجمهورية والحرب الاهلية، فلا بد انها بدت كأنها من عصر آخر. حتى ان الروائي البيروفي فارغاس يوسّا لم يطق سماع مداخلاتنا اصلا، ففتح جريدته بكل صفاقة في وسط القاعة وأخذ يقرأ فيها.

ما اعجب ان تقولي: "احب ما يجري في اسبانيا. لا هي غنية ولا هي فقيرة، انها "عالم عمالي" مثلما الشيوعية حلمت به من دون ان تنجح في تحقيقه"! خلال زيارتي لبلنسية خطر لي فجأة ان اسبانيا افضل نموذج يقتدي به العرب في تنميتهم، بديلا من النموذجين الاميركي والسوفياتي. هي صناعية ومع ذلك فلها قطاع زراعي واسع ونشيط، وهي مدينية لكنها عميقة الجذور في تراثها الريفي، وهي موحدة ولكن على قاعدة لامركزية رحبة تحترم التنوعات الاقوامية واللغوية والاقليمية والثقافية، وشعبها مكدّ مجتهد وهو مع ذلك حيوي ومحب للفرح والملذات الى ابعد حد، وخصوصا الشباب. واسبانيا اخيرا ليس آخرا ديموقراطية ويسودها الى ذلك حس عميق بالعدالة الاجتماعية.

6

عزيزتي إيتل،

لو إن المدن نساء، لكانت غرناطة اجمل النساء قاطبة.

مع اني لست استسيغ هذا التشبيه بين المدن والنساء، يستحيل الافلات منه في غرناطة.

"غرناطة، إن شئت/ اتخذك لي زوجة"، يعرض عليها دون خوان في "الرومانثيرو الاسباني". فتجيبه غرناطة: "اني ذات بعل، يا دون خوان/ متزوجة ولست بأرملة/ والعربي الذي يملكني/ يحبّني حبا عظيما".

بعد زيارة طويلة لقصر الحمراء والحدائق التي تحفّ به وترقى صعودا الى اعلى التلة المسماة generalife التي احب ترجمتها "جنة الريف" مع ان الدليل السياحي يقول انها "جنة العريف" جلست وشريك الرحلة الفرنسي صامتين على درج قرب بركة صغيرة، غارقين في التأمل. يمر بها السياح يحدقون في ادلتهم السياحية والخرائط. ثمة خاصة مشتركة بين السياح. يحتاجون دوما الى التأكد من ان الواقع الذي يعاينون يتطابق والخريطة او الدليل السياحي بين ايديهم. فكأن موقعا اثريا، او نصبا تذكاريا، او لوحة او تمثالا لا وجود له في الواقع الا اذا وجد في الدليل او كان مرسوماً على الخريطة!

يدور حولي السياح وانا لا ازال مطرقا ساهما ادوّن على دفتري محاولة في تعريف غرناطة:

غرناطة، هندسة الظل/ ورمّانة الغجر/ نرجسة الماء /ونقش الروح على حجر...

فجأة اكتشفت ما جعل هذه الزيارة الى غرناطة مناسبة جد مميزة: ما من زيارة اخرى غير هذه الزيارة كانت لتتلاءم وفترة ما بعد حرب الخليج الثانية. كان على المرء ان يشعر انه ينتمي الى شعب حقق انجازات حضارية من مثل تلك الانجازات الاندلسية لكي يحتمل الضربة الالكترونية - الدموية الكارثية التي تلقيناها في تلك الحرب.

كيفما نظرت الى تحت من على تلك التلة المحصنة ترى "حي البياسين". أترجم العبارة لرفيقي: "البائسين". اي علاقة غريبة بين قصر الحمراء وحي البائسين. القصر وجنة الريف هما الجنة كما يتصورها العرب. لم يكن على سكان القصر سوى القاء نظرة الى سفح التلة ليتأكدوا من انهم يعيشون في جنة النعيم. وعكسا، ما عليك غير ان تقتعد كرسيا في احد المقاهي التي تحاذي النهر الذي يجري عند سفح تلك التلة لتنبهر بروع القصر وعظمته. من حيهم المتواضع كان البائسون الاندلسيون يتصورون ان ما يشاهدونه مهيمنا عليهم من ذلك العلو الشاهق انما هو جنة النعيم اياها التي وعدوا بها، تجري من تحتها الانهار وتحفّ بها الاشجار. على انها جنة متوارية ومحتجبة خلف الاسوار الجبارة والقلاع المنيعة والاشجار الباسقة. وغرناطة ذات النارنج والعرعر والريحان والورد والرمان هي الجنة الموعودة والمحرّمة في آن معا. حاضرة ابداً لكنها محتجبة دوما مثل إرم ذات العماد. والآن افهم ماذا عناه لوركا عندما انشد:

"غرناطة تنضح بلغز/ لغز ما يستحيل وجوده/ وهو، رغم ذلك، موجود".

لغز غرناطة انها تستحضر الجنة على الارض. لذا اطلق الشاعر الاسباني الشهيد على غرناطة لقب "جنة العربي المفقودة".

قصة فقدان تلك الجنة معروفة. ولكن ما هو غير معروف كثيرا ان البائسين كانوا يثورون عندما لا يعودون يطيقون مفارقة العيش "تحت" فيما الآخرون يعيشون "فوق". وكانت آخر ثوراتهم تلك التي اعلنوها ضد ابي عبدالله، آخر ملوك اسبانيا العربية. فانكفأ في اعلى القصر الى ان اخمد الجند الثورة بالحديد والنار. خلال ذلك، كانت غرناطة تحاصرها جيوش ايزابيل وفرديناند، قادة "الريكونكويستا"، حرب الملوك الكاثوليك لاسترداد الاندلس من العرب. اخمد ابي عبدالله ثورة فقراء شعبه لكنه انهزم امام الاعداء الاسبانيين. فكأن اخماد الثورة الشعبية كان الايذان بسقوط آخر مملكة عربية في الاندلس. هذه هي قصة غرناطة، "جنة العربي المفقودة". والعربي الذي فقد الجنة الغرناطية تسلل من خلال احد الابواب الخلفية للقلعة، يسمّى "باب الغدر". وكان يبكي "مثل النساء مجداً لم يحافظ عليه كالرجال".

كيف لي ان افلت من المقارنة بين ابو عبدالله وصدام حسين؟ وكلاهما انهزم امام الاعداء لكنه ارتكب المجازر في حق شعبه الذي ثار عليه. الفارق الوحيد هنا ان صدام لا يملك العنصر الانثوي الذي كان لأبي عبدالله. فانا اشك في ان صدام حسين ذرف دمعة واحدة في حياته.

ومثلما كان لا بد من المقارنة بين ابي عبدالله وصدام حسين، كذلك تنبغي المقارنة بين قصرين في غرناطة. القصر الذي تكلمنا عنه حتى الآن هو القصر الذي بناه الناصريون من ملوك المدينة العرب. زائر غرناطة الآن يلقى فيها قصرا آخر، هو القصر الذي ابتناه الملك الاسباني شارل الخامس في مواجهة القصر العربي احتفالا بالانتصار على اصحاب القصر من العرب المسلمين. من دون مبالغة يمكن وصف قصر شارل الخامس، بأنه جريمة حرب "الريكونكويستا" المعمارية. تشعرك كتله الحجرية بأنها رابضة بكامل ثقلها على صدرك. البناء مربع في داخله فسحة دائرة مفتوحة الى اعلى هي الترميز المطلق للقمع والاحتواء: اذ لا مخرج من ذلك المأزق الدائري، او قل: من تلك الحلقة المفرغة، الا نحو السماء. يحبسك القصر ليريك ان لا خلاص لك الا بالملكوت السموي.

في المقابل، تلقى القصر العربي عمارة مفتوحة على كل الجهات. هو نموذج رائع لتلك الميزة العبقرية لفن العمارة العربي حيث تنهار الفواصل بين داخل وخارج، تنعطف في البناء فيفضي بك الى خارج هندسي التنظيم، اكان حديقة ام مجرى مياه. تعود الى داخل، فيردك الى فناء داخلي تحدق به الغرف وتتوسطه بركة ماء ذات نوفرة. هنا الزواج بين القنطرة وصفحة الماء، بين الطبيعة والثقافة، بين الروح والحجر.

والمقارنة بين العمارتين هي مقارنة بين نمطين من الروحانية. تلقى في العمارة العربية روحانية المنمنمات حيث يتبارى الرقش والتزيين والكتابة في تبديد الكتلة الحجرية، الى ان ترقّ وتشفّ . فكان المادة ذاتها قد تحولت الى روح. الحروفية تروحن الحجر، تتحايل على وطأته، تنحيفا وتخفيفا. العكس تماما هو ما ينتابك في القصر الاسباني حيث تبدو لك الروح اثقل من المادة وقد تجسدت هندسيا في كتل تسحقك تحت وطأة جلاميدها المدبّبة الثقيلة.

7

عزيزتي إيتل،

اردتُ ان اكتب لك عن زيارتي الاخيرة الى عدن وعن نضال النساء اليمنيات للحفاظ على مكاسب حصلن عليها بالتضحيات العزيزة الطويلة وقد باتت مهددة بأن تكون اولى الضحايا على مذبح الوحدة بين شطري اليمن. ولكن بينما كنت اضع رسائلي بالانكليزية انعقد عرس الدم في قانا.

قد تكون قانا صور هي قانا الجليل، الوارد ذكرها في الاناجيل، وقد لا تكون هي قانا الجليل. قد تكون قانا هي البلدة التي زارها المسيح وحقق فيها اولى معجزاته وقد لا تكون البلدة التي زارها السيد المسيح وحقق فيها معجزة. لكن الاكيد ان قانا، في ذلك الثامن عشر من نيسان 1996 ميلادية، لم يقع فيها عرس من اي نوع. والاكيد ايضا ان قانا، في ذلك الثامن عشر من نيسان 1996 ميلادية، لم يتحول فيها المياه الى خمر. في قانا، يوم الثامن عشر من نيسان 1996 ميلادية، حدثت معجزة من نوع آخر: تحول فيها الدم الى... دم.

وقعت المجزرة نتيجة خطأ، تقول الرواية الاسرائيلية. وحدهم الاسرائيليون في هذا العالم يرتكبون "خطأ"، هكذا بالمفرد لا بالجمع وبين مزدوجين. ذلك ان ارتكاب خطأ عندهم من ثامن المستحيلات. فهم عادة ما يرتكبون "الدفاع المشروع عن النفس" او يرتكبون "الضربات الاستباقية" حتى لا يضطروا الى ارتكاب "الدفاع المشروع عن النفس" ارتكابا مباشرا. ولكن اذا صدف ان حدث ثامن المستحيلات هذا، ووقع "خطأ"، فقُل: هي معجزة قد وقعت، لا محالة.

سائر الشعوب ترتكب الاخطاء بالمفرد والجمع. لغير الاسرائيليين ارتكاب الاغتيالات والجرائم واعمال الارهاب والمجازر الجماعية وابادة الاقوام والاجناس والشعوب وصولا الى ما يسمّى الجرائم في حق الانسانية.

الحق يقال ان الاسرائيليين يقتلون على الخريطة. وهل من قتل انظف من ذلك؟ والقتل على الخريطة يفترض فيه ان لا يخطىء. فاذا ما وقع خطأ ما في القتل على الخريطة، تقع المسؤولية عن الخطأ على... الخريطة. طبعا. وهي الخريطة تتحمل المسؤولية عما ينجم عن الخطأ من "ضرر جانبي" كقتل 108 كائنات بشرية. وبما ان الخريطة، بمعنى ما، اسرائيلية، مع انها خريطة لمواقع في الجنوب اللبناني، اذذاك يجوز القول ان خطأ قد وقع في قراءة الخريطة.

انا عائد من قانا. كنت في عداد موكب من ممثلي الهيئات الثقافية، انطلق نحو القرية الشهيدة بمبادرة من حبيب صادق والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي. عاينّا معجزة الخطأ، معجزة تحول الدم الى دم. انشدنا النشيد الوطني بشيء من الارتباك. ووقفنا خمس دقائق صمتاً من اجل الشهداء. ثم دلفنا واحدا تلو الآخر، كل منا يلقي وردته الحمراء على الضريح الجماعي. وفيما انا انحني لأضع وردتي الحمراء، استوقفتني صورة لمريم العذراء موضوعة فوق الضريح. لقد وضعت من اجل المرأة المسيحية التي قضت الى جانب المسلمين من اخوتها واخواتها من ابناء البلدة وبناتها. كنت بين آخر الذين القوا بوردتهم الحمراء على الضريح، فطلب مني مصور تلفزيوني ان التقط وردتي واكرر عملية القائها على الضريح ليتسنى له تصوير اللقطة. امتثلتُ. لست ادري لماذا. فانا عادة لا استجيب مثل طلبات التمثيل هذه. كنت في غفلة من امري. افكر في معجزة "الخطأ".

لا ازال اتخيل نفسي الآن اكرر بلا نهاية حركة القاء وردت&