رأي وتـعـلـيـق

   

 

 


 

ثلاثة أعوام

رأي أخبار الشرق - 11 أيلول 2004

اليوم يحيي العالم ذكرى هجمات نيويورك وواشنطن التي غيرت وجه التاريخ المعاصر، ووجه العالم الذي عرفناه ردحاً من الزمن. كان بود العقلاء في العالم أن يقفوا اليوم إجلالاً للضحايا الأمريكيين، ويتذكروهم؛ لولا أن الإدارة الأمريكية لم تترك مجالاً لأحد أن ينشغل بهؤلاء الضحايا، فلقد أوجدت سياستها المنطلقة من عقالها منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001؛ ضحايا في كل مكان من العالم، وزرعت الدمار والخوف في زوايا الأرض.

ولكن المأساة الحقيقية لا تكمن في ما يُسمى تطرفاً "أمريكياً" أو "إسلامياً"، فالمتهمون بهذا التطرف واضحون في أفكارهم وأيديولوجياتهم ووسائلهم، والصدام بينهم على أشده، ويمكن فهمه، وإن كان مؤلماً. إنما المأساة الحقيقية تكمن في أنظمة سياسية تزخر بها المنطقة العربية، تروج للحرب على "الإرهاب" انسجاماً مع الحملة الأمريكية، وتساوقاً معها، خشية عواقب لا قِبَل لها بها؛ بينما هي في الواقع من أهم ممارسي "إرهاب الدولة" الذي كان له فضل كبير في إنتاج "الإرهاب" كما أصبح يُسمى اليوم "العنف" الداخلي الذي وقع في غير مكان من العالم العربي. ولسنا بصدد الحديث عن "إسرائيل" أيضاً، لأن أفعال هذه تولد "المقاومة"، وليس "الإرهاب"، باعتراف العرب رسميين وشعبيين.

لقد سعت الأنظمة العربية التي مارست القمع بحق مواطنيها لاستغلال الأعوام الثلاثة المنصرمة منذ أحداث 11 أيلول؛ في تكريس سلطاتها المطلقة بحق شعوبها. بقي القمع والاعتقال والتعذيب وحتى القتل قائماً، ولكن تغير الثوب من "العمالة للإمبريالية والصهيونية"؛ إلى "الإرهاب"، الذي أصبح ملاءة من لا ملاءة له. في السجون العربية عُذبت أعداد من البشر غير معروفة على مدى الأعوام الثلاثة الماضية. حتى أن الأنباء تسربت عن نقل المعتقلين الأساسيين في تنظيم "القاعدة" إلى دول عربية للتحقيق معهم، لأن ظروف التحقيق التي يوفرها الجلاد الأمريكي لا تتكفل بانتزاع الاعترافات المطلوبة، كما يفعل الجلاد العربي بنجاح منقطع النظير. وهذا مدعاة للشعور بالقشعريرة، لأنه يعني أن كل ما نُشر عن معاملة معتقلي "غوانتانامو" و"أبو غريب" على يد الأمريكيين؛ لا يُقارَن بالخبرات العربية تحت الاختبار!

الطريق التي سلكتها الولايات المتحدة واتبعتها فيه دول أوروبية؛ لن تؤدي إلا إلى مزيد من العنف والقتل وسقوط الضحايا الأبرياء من كل الأطراف. الخطر الحقيقي على العالم هو الاستبداد والقمع المتخذ أشكالاً "شرعية"، والذي يحظى بالدعم الغربي الرسمي وغير الرسمي. ما حققته واشنطن بعد 11 أيلول، ليس سوى نقل لمعاناة مواطنيها المأساوية في ذلك اليوم؛ إلى مناطق أخرى من العالم، يعاني فيها كل يوم ملايين الأبرياء أيضاً. وليس هذا من مكافحة "الإرهاب" في شيء.

 

Home | شــبـعـا | حكــايــا | ثـقـافـة | صــوَر من قـرى جبل الشـيخ | ســجل الـزوّار | حــدث | رأي وتعليـق | صـحـّـة | لماذ حرمون